تعاطي "القات" لدى الأطفال.. أضرارٌ صحية وإدمانٌ مبكر
تقرير خاص/ تسنيم علي
لا يكترث والد "عبد اللطيف" حين يرى ابنه ذي العشر سنوات، يحشو فمه ببراعم القات كيفما اتفق، مدعيًا أن ذلك التصرف مؤشر على رجولة وقوة شخصية ولده، الذي يتلقى كلمات أبيه بزهوٍ طفولي.
قد يبدو "عبد اللطيف" أقل ادراكًا لخطأ العادة التي يكتسبها من تقليدِ مَنْ حَوْلَه، بعكس شقيقه "مرتضى - 12 عامًا" الذي يتعاطى القات يوميًا مع أقرانه (على وعبد الرحمن) وهم أطفال من نفس سنه تقريبًا.. يجتمع ثلاثتهم للمذاكرة سويًا مساء كل يوم في "ديوان" منزلهم الريفي بمحافظة حجة (غرب اليمن).
يدرس "مرتضى" حاليًا في الصف السادس الأساسي، ويقول إنه لا يستطيع تخيل وقته من دون القات، فهو -على حد قوله- يقتل الملل ويحفزه على المذاكرة ويجعله أكثر نشاطًا وسعادة.
يذكر مرتضى أنه لا يواجه أي اعتراض من والديه بشأن تعاطي القات، طالما أظهر لهما الالتزام بواجباته المدرسية، وحصل على علامات جيدة في المدرسة. قال أيضا: "أبي وأمي كلاهما يتعاطان القات يوميًا، كل الناس في هذه البلدة يفعلون الشيء نفسه.. ولحسن الحظ لدينا أكثر من مزرعة قات، لذا لا نضطر للشراء من أي مكان".
تأثير البيئة والمجتمع
تعد ظاهرة تعاطي القات لدى الأطفال وصغار السن، أحد أكثر العادات انتشارًا بمناطق المرتفعات الشرقية من محافظة حجة، ولا تنافسها في ذلك أي منطقة أخرى في اليمن، وذلك يعود في الأساس إلى أن هذه النبتة تزرع على نطاق واسع في هذه المناطق ذات المناخ الملائم، حيث تتصدر زراعة القات القائمة مقارنة بالمحاصيل الأخرى، وتشكل زهاء الثلثين من إجمالي المساحة المزروعة في المحافظة.
والقات نبتة منشطة تحتوي على تركيبة منبهة، يجري تناول براعمها الطرية ومضغها في الفم لعدة ساعات في عملية تسمى (التخزين)، وهو من الأشجار دائمة الخضرة التي تُزرع على نطاقٍ واسع في اليمن، وبحسب تقريرٍ للبنك الدولي فإن حوالي 90% من الذكور البالغين في اليمن يتعاطون نبتة القات بشكل مستمر أو مناسباتي (في مناسبات معينة كيوم الجمعة مثلا) بينما تقلُّ هذه النسبة إلى 50% عند النساء، أما عند الأطفال دون الثانية عشرة، فتتراوح ما بين 15% إلى 20% من إجمالي الأطفال في اليمن، وهي نسبة كبيرة جدًا تشكل خمس أطفال البلد تقريبًا.
ويرتبط تناول القات في الغالب ببعض العادات الأخرى، كتدخين السجائر أو النارجيلة الشعبية (المدعة)، وشرب المشروبات الغازية، وهذه العادات في مجموعها تدمر الصحة وتسبب عديد الأمراض، خصوصًا حين تصير عادة لدى الأطفال في سن مبكر.
في محافظة حجة تتركز زارعة نبتة القات في مناطق المرتفعات (الجبال) الواقعة شرق وجنوب المحافظة، الأمر الذي قلَّص من زراعة المحاصيل الأخرى التي كانت تشتهر محافظة حجَّة بزراعتها قبل أكثر من خمسة عقود، ما خلا في المناطق السهلية ناحية الشمال الغربي وهي مناطق حارة لا تتناسب مع زراعة القات الذي يحتاج إلى بيئة باردة نسبيًا أو معتدلة كما هو الحال مع مناطق المرتفعات.
وتعد محافظة "حجَّة" أكثر المحافظات اليمنية من حيث انتاج القات، كما تشتهر مناطق الشرفين وحجور بإنتاج أجود أنواع القات على مستوى اليمن من حيث المذاق والتأثير، لذا كان يجري تهريب النوع الجيد منه إلى السعودية عبر الحدود المتاخمة لحجّة من جهة الشمال الغربي، لكنها تحولت حاليًا بتأثير الحرب المستعرة هناك إلى ساحة مواجهات، الأمر الذي حدا بالمهربين إلى البحث عن طرق أخرى عبر محافظة صعدة المجاورة لمحافظة من جهة الشمال الشرقي.
ضرر صحي وآثار جانبية
يعلل كثير من مُدمني القات من غير البالغين وطلاب المدارس سبب تعاطيهم بكونه يحفزهم على المذاكرة والقراءة وإنجاز واجباتهم دون الشعور بالملل، كما أنه يساعدهم على السهر وتحمل الاجهاد.. وإلى حدٍ ما تبدو هذه التبريرات صحيحة من الناحية العملية، لكنها لا تخلو من آثار جانبية عديدة على الجانب الصحي والاقتصادي، والاجتماعي أحيانًا.
ويتعاظم تأثر القات على الصحة، حين يتعلق بإدمان الأطفال وصغار السن، خصوصًا مع الاستخدام العشوائي للمبيدات الحشرية التي يلجأ إليها مزارعو هذه النبتة بشكلٍ مفرط لتحسين الوفرة والغلة وتسريع استوائها في فترة أقصر، والأخطر من ذلك يكمن في تعاطيه وبيعه قبل انتهاء المدة الصحية لزوال التأثير السُمِّي لتلك المبيدات الفتاكة التي تنقل تأثيرها مباشرة إلى الأطفال وحتى البالغين بشكلٍ عام.
في تصريح خاص يقول الدكتور جلال الشميري: "في الغالب يعاني الأطفال الذين يتعاطون القات من الهزال وضعف المناعة وأعراض سوء التغذية، وهى الأمراض الأكثر شيوعًا لدى الأطفال بمحافظة حجة، وذلك لأسباب من بينها تعاطي القات، ناهيك عن التأثير على الجهاز العصبي، وعدم الاتزان الهرموني، وربما أمراض السرطان التي تسببها المبيدات الحشرية التي تستخدم بكثرة وبطرق عشوائية".
منوهًا إلى أن تلك الأضرار يتشارك فيها الكبار والصغار على السواء، لكنها تغدو أكثر ضررًا على غير البالغين كونهم ما يزالون في مرحلة النمو، والأمر كذلك مع النساء الحوامل، إذ أن التأثير لا يتوقف على صحتها وحسب إنما ينتقل بالضرورة إلى الجنين الذي تحمله.
ويستطرد الشميري: "معالجة هذا الامر تتوقف على وعي الوالدين أو الأسرة بشكل عام، فالطفل حين ينشأ في بيئة زراعية كل محيطه الاجتماعي يتعاطى القات، فهو بالمقابل يحاول أن يتكيف بحكم فطرته ويحاكي ما يفعله الكبار، وخطورة ذلك أن هناك تساهلاً كبيرًا من قبل الآباء والمُربين في النأي بأطفالهم عن إدمان هذه النبتة".
مسؤولية جماعية للمعالجة
عديد الأطفال مثل "مرتضى" -الذي لا يستطيع تخيل وقته من دون القات- والذي يتلقى الدعم غير المباشر من والديه طالما أتى بعلامات جيدة، تختزل التعقيد المتغوِّل لهذه الظاهرة؛ ذلك أن تعاطي القات لدى الأطفال صار تكيّفًا اجتماعيًا وعامل "تحفيز" مفترض، ولاسيما في بيئة ترى في مضغه سلوكًا طبيعيًا أو حتى مؤشرًا على القوة، وفق الاعتقاد السائد.
على ذلك، فإن مسؤولية الحد من هذه الظاهرة تتجاوز نطاق الأسرة إلى معالجة الوعي المجتمعي، والاعتراف بأن هذه العادة التي ينزلق نحوها مئات الأطفال بغير وعي منهم، تمثل سرقة ممنهجة لأعمارهم ومستقبلهم الصحي والإدراكي، على حساب بناء جيل قادر على تحمل مسؤولية مستقبل أكثر نضجًا، بعيدًا عن وهم النشوة الزائلة.