الخوف الذي ربينا به أطفالنا
الخوف الذي ربينا به أطفالنا
كيف تحولت الخرافة إلى أداة تربية، وما الذي تركته في أجساد الأطفال وعقولهم؟
تقرير/ معاذ مدهش
في بيوت يمنية كثيرة، خصوصا في القرى والأرياف، لا يحتاج الطفل إلى ارتكاب خطأ كبير كي يخوف، يكفي أن يرفع صوته، يبتعد خطوة، يعبث بشيء ما، أو يذهب إلى مكان لا ينبغي الذهاب إليه، عندها تظهر الخرافة فورًا، جاهزة، محفوظة، ومجربة.
"الجن" "بيخطفوك" "اسكت لا يسمعك ويأخذك عبارات وقصص كثيرة تقال على عجل، بنية ضبط سلوك الطفل، لا أحد يقولها بدافع الشر، نقولها لأننا سمعناها من قبل، ونجحت ظاهريا، سكتنا، التزمنا، خفنا، لكن ما لا نراه ولا نستشعره لحظتها، أن الخوف لا يختفي، بل يكبر معنا.
الخرافة التي تخيف بدلا من أن تربي
ترى المختصة النفسية "بثينة خالد" في حديث مع منصة "أطفال اليمن" أن ما يحدث في كثير من الأسر هو سوء فهم عميق لمفهوم التربية ككل، فبدل التوجيه والشرح، يستخدم التخويف والكذب كأداة سريعة للسيطرة والتوبيخ على الطفل، تقول بثينة إن هذا الأسلوب قد ينجح لحظيا، لكنه يفتح الباب أمام آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد.
وتوضح أن الأهل غالبًا ما يخترعون قصصًا وكائنات وهمية، أو يهددون الطفل بـ"الحبس" أو "الهجر" فقط لإجباره على الهدوء، هذا الاختلاق والكذب، بحسب المختصة، يزرع بذور الرعب في عقل الطفل، ويصنع عالمًا مخيفًا لا يستطيع فهمه أو مواجهته
ولا يتوقف الأثر عند الخوف العابر، فمع الوقت، تظهر اضطرابات النوم، الكوابيس، نوبات الفزع، وحتى التبول اللا إرادي، الخوف المستمر يبقي الجهاز العصبي في حالة توتر دائم، فينعكس على النمو العقلي والوجداني، مثل ضعف في الذاكرة، تبلد في المشاعر، وشخصية مهزوزة تخشى القرار والمواجهة.
وفيما بعد، قد يتحول هذا الخوف إلى سلوكيات عدوانية أو كذب دائم، والطفل لا يكذب كونه سيء، يكذب لأنه يبحث عن النجاة، عن طريقة للهروب من عقاب مرعب لا يفهمه، يستخدم الأسلوب نفسه الذي اعتاده.
الترهيب بالخرافة هو عملية تجهيل نفسي تقول الاختصاصية بثين "هو لا يربي طفلًا واعيًا، إنما يصنع إنسانًا يعيش تحت وطأة القلق المزمن"
مشهد من الأرياف في اليمن، أطفال يهربون من الحياة
هذا القصة تجد صداها في الواقع، تروي الناشطة والمهندسة "فريدة المحمدي" مشهدًا صادمًا من إحدى قرى محافظة تعز، تقول المحمدي "إنها ما أن كانت تصادف أطفالًا في طريقها، حتى يفروا في كل اتجاه، يركضون نحو بيوتهم مذعورين، من تخونه سرعته لصغر سنه أو ضعفه، يعود رفاقه لإجباره على الهرب، بأي طريقة، المهم ألا يبقى خلفهم"
في إحدى القرى، دخلت فريدة بيتًا لتسأل عن سبب هذا الذعر، فوجدت خمسة أطفال مختبئين خلف أشياء متفرقة في الغرفة، يصرخون ويبكون، حاولت فريدة تهدئتهم، فزاد صراخهم، لم يطمئنوا إلا حين خرجت الجدة وقالت لهم بلهجتهم "لا تخافوش هذه ما تذبحش الجهال"
المفارقة المؤلمة كما تقول فريدة "أن طفلة في الخامسة من عمرها اقترحت على جدتها أن تفتح صدرها لتدخل فيه وتختبئ، حتى لا يأتي الخاطفون ويبيعوا قلبها، طفلة رأت أن صدر جدتها هو آخر مكان آمن في عالم مليء بالرعب حسب ما سمعت من القصص التي تحاذرها من الغرباء.
تربط فريدة هذه المخاوف بانتشار أخبار الاختطافات وتجارة الأعضاء، كثير منها شائعات، لكنها تروى للأطفال بلا وعي، فتتحول إلى كوابيس يومية تلازمهم حتى يكبروا.
عندما يصبح الخوف في حياة الأطفال أسلوب حياة
المشكلة كما يوضح مختصون، أن الخوف لا يبقى مرتبطًا بالخطأ نفسه، مع الوقت يرتبط هذا الخوف بالحياة نفسها، بالظلام، بالأماكن المغلقة، بالوحدة، بالأصوات، وحتى بالأسئلة، يكبر الطفل وهو يخاف من أشياء لا يعرف لماذا يخاف منها، قد يكبر وينسى تفاصيل طفولته، لكن أثرها يبقى، يأتي على هيئة: انقباض غامض ثقة مهزوزة، تردد دائم، وصعوبة في اتخاذ القرار
الخرافة والكذبة البيضاء ليستا تربية، إنما استعجال، طريقة مختصرة للهروب من الشرح، من الصبر، من الإصغاء، تكون لدينا انطباع جمعي بمعنى أن تخويف الطفل ومغالطته أسهل من أن نجلس معه ونقول هذا خطر، هذا ممنوع، هذا سيؤلمك أو يؤذي غيرك.
ما الذي نزرعه؟
ما نزرعه خوفًا في الطفل، سنحصده قلقًا حين يكبر، قد لا نرى الأثر فورًا، لكنه يظهر لاحقًا، في هشاشته، في انسحابه أمام الحياة، في خوفه من التجربة، الخرافة قد تنجح للحظة، الكذب قد يمنع الطفل من القيام بشيء حذرناه منه، لكن ثمن كل هذا يدفعه الطفل وحده، الآن ولاحقًا، الأطفال أمانة، وما يحتاجونه، قبل أي شيء، هو الأمان والصدق، ثم تأتي بقية الأشياء.