عامان من الأمل.. منصة أطفال اليمن صوت الطفولة في زمن الحرب
تقرير: محمد الوجيه
في زمن تتنازعه الأزمات وتثقل كاهله الحروب، ظل صوت الطفولة في اليمن بحاجة إلى منبر يروي الحكاية، ويضيء على معاناة الأطفال، ويزرع بذور الأمل وسط الركام فمن بين ضجيج الصراع، ولدت قبل عامين منصة أطفال اليمن كنافذة إعلامية وإنسانية، وضعت الطفل في صدارة الاهتمام، وأعادت الاعتبار لقضاياه بوصفه فئة مجتمعية أساسية لا تقل معاناتها عن غيرها.
وفي الذكرى الثانية لانطلاقها، تحتفي المنصة بمسيرة عامين من العمل في واحدة من أصعب البيئات الإنسانية، مؤكدة استمرار رسالتها في الدفاع عن حقوق الأطفال، وتسليط الضوء على واقعهم، وصناعة وعي مجتمعي يرفض الانتهاكات، ويؤمن بأن حماية الطفولة مدخل حقيقي نحو مستقبل آمن.
من خبر عابر إلى قصة إنسانية
لم تكن منصة أطفال اليمن مشروعًا إعلاميًا عابرًا، بل استجابة لحاجة ملحة فرضها واقع الطفولة اليمنية المنسية، فمنذ انطلاقتها في يناير 2024، حملت على عاتقها مهمة إعادة صوت الطفل اليمني، وانتشال قضاياه من هامش التقارير إلى صدارة الوعي المجتمعي والدولي.
يقول مدير تحرير المنصة الإعلامي أركان سعيد الوافي إن فكرة المنصة انطلقت من قناعة بأن الطفل اليمني كان الضحية الأكثر تهميشا، حيث اختزلت معاناته في أرقام عابرة دون منحه حق التعبير عن نفسه، وأضاف: أردنا تحويل الخبر إلى قصة إنسانية تحفظ للطفل كرامته، وتتعامل معه كصاحب حق في الحماية والتعليم والحياة.
وأكد الوافي أن رسالة المنصة لا تزال تتمثل في منح الطفل اليمني صوتًا مسموعًا وحضورًا دائمًا في الوعي المحلي والإقليمي والدولي.
إنجازات وأثر ملموس
نقلت منصة أطفال اليمن، على مدى عامين، واقع الطفل اليمني عبر تقارير وتحقيقات وقصص إنسانية، جمعت بين الحس الإنساني والاحتراف المهني، لتتحول إلى مرآة للواقع ومنبر يتيح للطفل وأسرته التعبير عن الألم والأمل.
وبحسب مدير التحرير، وثقت المنصة مئات الانتهاكات التي طالت حقوق الأطفال، وحولتها إلى ملفات رأي عام دفعت السلطات المحلية للتفاعل معها، كما أسست شبكة من الصحفيين والمتطوعين المتخصصين بقضايا الطفولة في مختلف المحافظات اليمنية، ما أسهم في توسيع نطاق التغطية وتعميقها.
وأضاف أن المنصة أصبحت مرجعًا إعلاميًا وحقوقيًا يستند إلى القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الطفل، ما عزز مصداقيتها ومهنيتها.
وفي جانب بناء القدرات، نفذت المنصة برامج تدريبية استهدفت صحفيين شباب، ركزت على مفاهيم صحافة الطفل، وأسهمت في إعداد جيل إعلامي أكثر وعيا بقضايا الطفولة.
دور في تعزيز حماية الطفولة
ثمنت منظمة اليونيسيف الدور الحيوي الذي تؤديه منصة أطفال اليمن، باعتبارها صوتًا محليا فاعلًا يسهم في تحويل معاناة الأطفال اليومية إلى رسائل إنسانية مؤثرة.
وأوضح الدكتور معاذ الشمساني، مسؤول الصحة والتغذية في اليونيسيف بمحافظة تعز، أن وجود منصة متخصصة يتيح فهما أعمق للقضايا الميدانية، ويشكل جسرًا يربط بين احتياجات الأطفال وصناع القرار، بما يعزز فاعلية الحماية.
وأكد أن نهج المنصة في صون كرامة الطفل أثناء النشر يتماشى مع المعايير الدولية، ويسهم في تعزيز وعي مجتمعي رافض للانتهاكات، مشيرا إلى أن تقاريرها تمثل مراجع مهمة للمنظمات الدولية في الرصد والتخطيط للتدخلات.
دور تربوي يتجاوز الإعلام
لم تكتف منصة أطفال اليمن بدورها الإعلامي، بل أدت رسالة تربوية تستهدف بناء وعي مجتمعي يحترم حقوق الطفل داخل الأسرة اليمنية.
يرى الخبير التربوي الأستاذ هزاع عبدالولي أن محتوى المنصة يسهم في ترسيخ ثقافة حقوق الطفل، مؤكدًا أن اطلاع الأسرة على المحتوى الذي ينشر عبر المنصة يحول الوعي إلى سلوك يومي، ويجعل قضايا الطفولة أولوية داخل المنزل.
وأضاف أن إبراز الأطفال كنماذج نجاح يعزز ثقتهم بأنفسهم، وينقلهم من دائرة الضحية إلى الإنسان الفاعل، ما يخفف من الآثار النفسية للحرب.
صدى مجتمعي واسع
لاقت منصة أطفال اليمن ترحيبًا واسعًا من الأهالي والمتابعين، الذين رأوا فيها مساحة آمنة تعبر عن أبنائهم بلغة تحترم إنسانيتهم.
تقول الأستاذة منيرة عبدالجليل، أم ومربية، إن المنصة أحدثت فرقًا في تناول قضايا الطفولة، مشيرة إلى أنها لا تنظر للطفل كضحية فقط، بل كإنسان له أحلام وقدرات.
من جانبه، أوضح الناشط المجتمعي صدام هزاع أن محتوى المنصة أسهم في تعزيز وعي الأسر بحقوق الطفل، ودفع كثيرًا منها إلى إعادة النظر في أساليب التعامل مع أبنائها.
وتؤكد الدكتورة خولة محمد، أخصائية أطفال، أن وجود منصة متخصصة لأخبار الأطفال يخلق لغة مشتركة بين الأسرة والمجتمع حول احتياجات الطفل النفسية والتربوية، خاصة في ظل ظروف الحرب.
نحو المستقبل
مع دخولها عامها الثالث، تتطلع منصة أطفال اليمن إلى تطوير محتواها الرقمي، وتوسيع الإنتاج المرئي، وإطلاق قسم باللغة الإنجليزية لنقل واقع الطفل اليمني إلى العالم، إلى جانب توسيع برامج تدريب صحفيي الطفل، وبحسب مدير التحرير، فإن المرحلة المقبلة ستمثل نقلة نوعية في المحتوى الإنساني والتوعوي.
في بلد أثقلته الحرب، تبقى حماية الطفولة استثمارًا في الغد، وتظل منصة أطفال اليمن شاهدًا على أن الأمل يمكن أن يولد من رحم المعاناة، وأن صوت الطفل سيبقى حاضرًا اليوم لنقل الحقيقة، وغدًا لصناعة مستقبل أكثر أمانًا.