مأرب من فوق الباص شارع عدن (الشارع العام سابقاً)

كتب/ أيمن الطاهري
هناك على الرصيف حيث تنهار الأرواح من التعب دون أن تحلم بوسادة كان الطفل الصغير مستلقياً جوار كراتين الماء التي يبيعها... كأنه جزءٌ منها كأن جسده الهزيل واحدٌ من تلك القوارير المصفوفة بانتظار مشترٍ... لا أحد يدري هل غلبه النوم من الإرهاق أم من الحزن أم من جوعٍ لم يجد ما يسد رمقه سوى الهواء... في ليلة الرابع والعشرين من رمضان حيث المدن تستعد للأعياد والأطفال يحلمون بثيابٍ جديدة وألعابٍ ملونة... كان هذا الطفل يحلم بشيء آخر لا أحد يعرفه سوى الرصيف الذي احتضنه دون أن يسأل
وجهه البريء يحمل ملامح عمر أكبر من سنه... عينيه المغلقتين تخفيان أكثر مما تفصحان... ربما لو استيقظ الآن سيخجل من أنه نام في العراء... كأن النوم رفاهية لا يملكها... كأن من حقه فقط أن يسهر على قارعة الطريق حتى يبيع ما تبقى لديه من قوارير الماء حتى يعود إلى منزله المتواضع الذي بالكاد يستحق اسم منزل حيث الجدران المتشققة والسقف المثقوب الذي لا يمنع البرد ولا يحمي من الحر وحيث الأم التي تنتظره بقلق ممزوج بالدعاء والأشقاء الأصغر الذين لا يعرفون من العيد سوى حديث الجيران عن ملابس جديدة وسكاكر ربما لن تصل إليهم
الطفل لم يكن يبيع الماء فقط... كان يبيع يومه وأحلامه الصغيرة كان يبيع طفولته بسعر زهيد لكل عابر سبيل يشرب جرعة ماء ثم يمضي غير مدرك أن هذا الكوب الذي يروي عطشه هو وجبة الإفطار المؤجلة لأحدهم... في مكان ما خلف هذا الرصيف حيث الفقر لا يعرف الاستئذان وحيث الحياة لا تنتظر من لا يستطيع الركض خلفها
المارة يعبرون يلقون نظراتٍ عابرة لكن أحداً لا يتوقف كثيراً فالعيد يقترب والمتاجر ممتلئة والحياة تواصل سيرها وكأن هذا الجسد الصغير ليس إلا تفصيلاً هامشياً في المشهد... صخب المدينة يطغى على أنفاسه الهادئة لكنه لا يكترث فقد اعتاد أن يكون خارج الضجيج اعتاد أن يكون المنسي وسط الازدحام ربما حلم في نومه أنه ليس بائع ماء بل طفلٌ عادي يجري بين الأزقة يضحك كما يفعل الأطفال في عمره وربما لم يحلم بشيء على الإطلاق ربما نام فقط لأنه لم يجد شيئاً آخر يفعله... لم يجد من يسأله إن كان قد أفطر في رمضان أو إن كان ينتظر هدية للعيد فلّم يجد سوى الشارع فنام
سيستيقظ سينفض عن نفسه غبار الرصيف ويمسح أثر النوم عن وجهه الصغير وسيتابع يومه كأن شيئاً لم يكن... سيحمل كراتين الماء على كتفيه الهزيلين ويسير بين السيارات والمارة بنفس الخطى التي اعتادها من قبل... سيسمع أصوات الأطفال الآخرين يتحدثون عن ألعاب العيد وثيابهم الجديدة وسيدرك أنه جزء من عيدٍ آخر عيد لا يعرف الفرح عيدٌ يحتفل فيه بالصمود في وجه الحياة عيدٌ لا أحد يراه سوى أولئك الذين لم يعرفوا طفولةً كاملةً يوماً