حين يصبح الأطفال قرابين للاعتذار

مارس 25, 2026 - 21:53
مارس 25, 2026 - 22:10
 0  29
حين يصبح الأطفال قرابين للاعتذار

تقرير_ محمد جمال الطياري 

في مشهدٍ يهزّ الضمير الإنساني ويكشف حجم الألم الذي يمكن أن تتعرض له الطفولة حين تغيب الرحمة، تحولت ثلاث طفلات صغيرات إلى واجهة خلاف لا علاقة لهن به، ودُفعن إلى موقفٍ قاسٍ كـ"هجَار" لتسوية خلافٍ قبلي حيث تعتبر هذا الممارسات من الأعراف والتقاليد المتعارف عليها لحل النزاعات القبلية باليمن في محافظة ذمار، كانت الواقعة لحظة مؤلمة اختُزلت فيها البراءة، حين وقف أطفال عاجزون عن الفهم أمام مجموعة من الكبار، يحملون عبء اعتذارٍ لم يرتكبوه، في مشهدٍ وثّقه فيديو أثار صدمة واسعة وغضبًا عارمًا، الحادثة تعود إلى المواطن خالد مقبل الخروقة، الذي سعى لاحتواء إساءة صدرت منه تجاه قبائل الحداء وآل بخيت وآل القيسي، فكانت النتيجة تقديم بناته الصغيرات كوسيلة لترضية الأطراف الأخرى، في إطار أعراف قبلية شملت كسر الأعسب، لكنها تجاوزت حدودها حين مست كرامة الأطفال.

ظهرت الطفلات في حالة صمتٍ ثقيل، وملامح تحمل الخوف والانكسار، وكأنهن يُدفعن لتحمل تبعات عالمٍ أكبر منهن، في صورة تختصر قسوة الواقع حين يغيب صوت الرحمة. لم يتوقف المشهد عند حدود انتهاك الطفولة، إذا رافقته ألفاظ وممارسات تعكس نظرة دونية لبعض الفئات والمهن، لتتسع دائرة الألم من إهانة الأطفال إلى امتهان الإنسان ذاته، وهنا تتجلى فداحة الحادثة في ما تعنيه، حين تصبح الكرامة قابلة للكسر، والبراءة قابلة للتقديم كقربان.

إن ما حدث جرح مفتوح في وجدان المجتمع، يطرح سؤالًا موجعًا: كيف يمكن أن تُدفع الطفولة ثمنًا لأخطاء الكبار، وكيف تُقبل مثل هذه المشاهد في بيئةٍ عُرفت يومًا بحماية الضعيف وصون الكرامة؟

حماية الأطفال خط أحمر لا تقبله الأعراف ولا تبرره النزاعات

في هذه الحادثة المؤلمة، تتجلى حقيقة لا تقبل الجدل، أن الأطفال يجب أن يظلوا بعيدين عن كل أشكال الصراع والخلاف، محميين من تبعات أخطاء لا يد لهم فيها، ما حدث في محافظة ذمار، حين تم تقديم ثلاث طفلات كهجَار في خلاف، يكشف عن خرقٍ خطير لهذا المبدأ، حيث تم الزج بهن في موقف يفوق قدرتهن النفسية والإنسانية، ويضعهن في دائرة ضغط وإهانة لا يمكن تبريرها بأي عرف أو تقليد.

حماية الأطفال هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مطلقة، فكل طفل يجب أن ينشأ في بيئة تحفظ كرامته، وتصون براءته، وتمنحه الأمان بعيدًا عن الخوف والإجبار، وحين تتحول الطفولة إلى وسيلة لحل الخلافات، فإن ذلك يكشف هشاشة المجتمع وعجزه عن إيجاد حلول تحفظ إنسانية الجميع، إن أي مبرر يُساق لإقحام الأطفال في مثل هذه المواقف يسقط أمام حقيقة واحدة، أن الطفولة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا وسيلة لامتصاص الغضب، بل أمانة يجب أن تبقى مصونة فوق كل اعتبار.

غضب شعبي ومواقف إعلامية حادة

أثارت الحادثة موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل آلاف المستخدمين مع الفيديو المتداول، معبرين عن صدمتهم ورفضهم القاطع لما جرى، ومؤكدين أن ما حدث يمثل انتهاكًا صارخًا لكرامة الأطفال ولا يمت بصلة للقيم المجتمعية الأصيلة.

وفي خضم هذه الضجة، برزت مداخلات إعلامية لعدد من الصحفيين، الذين عبّروا عن مواقف حادة تجاه الواقعة، مطالبين بضرورة محاسبة المتسببين ورد الاعتبار للطفلتين.

الصحفي "أحمد ماهر"، وفي منشور له على صفحته في "فيس بوك"، انتقد بشدة تصرف والد الطفلتين، معتبرًا أن ما قام به تجاوز حدود الخطأ، حين أقدم على تقديم بناته في موقف مهين لإرضاء أطراف الخلاف كما وجّه انتقادات لاذعة للحاضرين، واصفًا ما جرى بأنه إهانة للطفولة وغياب تام لأي اعتبار إنساني، داعيًا قبائل الحداء إلى اتخاذ موقف واضح يعيد الاعتبار للطفلتين، ويحفظ مكانة القبيلة أمام الرأي العام.

كما أشار ماهر إلى أن استمرار الصمت قد يكرّس صورة سلبية، مؤكدًا أن إنصاف الطفلتين بات ضرورة أخلاقية، وأن تجاهل الحادثة سيبقيها جرحًا مفتوحًا في الذاكرة المجتمعية.

من جانبه، عبّر الصحفي "فتحي بن لزرق" عن موقف مماثل، حيث وجّه انتقادات حادة لما وصفه بالسلوك المهين الذي تعرّض له المواطن وبناته، مطالبًا قبائل الحداء بإعلان موقف صريح يدين ما حدث، وشدد على أن رفض الظلم يجب أن يكون مبدأ ثابتًا لا يتجزأ، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون محل مساومة تحت أي ظرف، وأكد بن لزرق أن مثل هذه الوقائع تسيء إلى المجتمع بأكمله، داعيًا إلى تحمّل المسؤولية الأخلاقية والوقوف بجدية لمعالجة مثل هذه الممارسات، بما يضمن عدم تكرارها، ويحفظ للإنسان كرامته، خصوصًا الفئات الأضعف.

بيانات توضيحية لا تهدئ الغضب

رغم محاولة بعض الأطراف تقديم تبريرات لما حدث، لم تنجح أي من البيانات التوضيحية في تهدئة الغضب الشعبي أو تخفيف حجم الاستنكار على مواقع التواصل الاجتماعي، في فيديو توضيحي، ظهر الشيخ "صالح الدباء" موضحًا أنه لم يكن على علم بما أقدَم عليه المواطن خالد مقبل الخروقة من تقديم بناته إلا أثناء اللقاء، وأن الموقف جاء بناءً على طلبه لتفادي التهديدات التي طالتَه نتيجة إساءته للقبائل المعنية.

وأكد "الخروقة" في تسجيل آخر أن هدفه من هذا الإجراء كان "قطع دابر الشر والفتنة" وحماية نفسه من أي تهديدات طالته نتيجة الخطأ الذي ارتكبه، محاولًا تبرير موقفه ضمن إطار تجنب الصراع، مع ذلك، لم تُخفف هذه التوضيحات من سخط اليمنيين ورواد مواقع التواصل، الذين رأوا أن تقديم الأطفال كوسيلة اعتذار أو للتسوية لا يمكن تبريره بأي ظرف، وأكدوا أن المسؤولية لا تقع فقط على والد الأطفال، بل على كل من ظهر أو ساهم في تنفيذ هذا المشهد المهين، مطالبين بإحالتهم للجهات المختصة وتطبيق أقصى العقوبات القانونية الرادعة بحقهم، نظرًا لأن الاعتداء على كرامة الأطفال يُعد جريمة قانونية وأخلاقية لا تقبل التجاوز، وأن العدالة هي السبيل الوحيد لحماية الطفولة ورد اعتبار الضحايا.

هذه المطالبات تعكس وعيًا شعبيًا عميقًا بأن كرامة الأطفال وسلامتهم هي حق أساسي يجب صيانته فوق أي اعتبارات أخرى، وأن المجتمع اليمني يرفض أي ممارسات تهين البراءة أو تستخدم الأطفال وسيلة للتسوية بين الكبار.

حقوق مصونة لا تقبل الانتهاك

تُجمع القوانين الوطنية والمواثيق الدولية على أن حماية الأطفال التزام قانوني وأخلاقي يفرض على المجتمع والدولة صون كرامتهم وحمايتهم من أي شكل من أشكال الإيذاء أو الاستغلال، في هذا السياق، تؤكد اتفاقية حقوق الطفل، التي تُعد المرجعية الدولية الأهم في مجال حماية الطفولة، على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف الجسدي أو النفسي، وعدم تعريضه لأي ممارسات تمس كرامته أو تؤثر على نموه السليم.

كما تنص الاتفاقية على ضرورة إبعاد الأطفال عن النزاعات والصراعات، وعدم استخدامهم كوسائل ضغط أو أدوات لحل الخلافات، لما لذلك من آثار نفسية عميقة قد تلازمهم مدى الحياة، وعلى المستوى الوطني، ويقر قانون حقوق الطفل اليمني مجموعة من الضمانات التي تحمي الأطفال من الإيذاء والإهمال والاستغلال، وتُلزم الجهات المختصة باتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامتهم الجسدية والنفسية، ويُجرّم القانون أي ممارسات تُلحق الضرر بالطفل أو تنتقص من كرامته، بما في ذلك تعريضه لمواقف مهينة أو استغلاله في نزاعات اجتماعية.

كما تشدد القوانين على مسؤولية الأسرة والمجتمع في توفير بيئة آمنة للأطفال، قائمة على الاحترام والرعاية، بعيدًا عن أي ضغوط أو ممارسات قسرية.

إن ما حدث في مثل هذه الوقائع يضع هذه النصوص القانونية أمام اختبار حقيقي، ويعيد التأكيد على ضرورة تفعيلها بشكل جاد، لضمان ألا تتحول الطفولة إلى ضحية للأعراف أو الخلافات، ولتبقى حقوق الأطفال خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر.