معاناة التعليم في تعز: فساد إداري يهدد مستقبل الأطفال

أبريل 23, 2026 - 08:31
 0  3
معاناة التعليم في تعز: فساد إداري يهدد مستقبل الأطفال

معاناة التعليم في تعز: فساد إداري يهدد مستقبل الأطفال

تقرير: رأفت الحمادي

يشهد قطاع التعليم في اليمن تدهورًا حادًا نتيجة سنوات من الصراع والأزمات الاقتصادية والإنسانية، ما أدى إلى حرمان ملايين الأطفال من حقهم في التعليم أو دفعهم إلى الدراسة في ظروف قاسية تفتقر لأبسط المقومات، وتعد محافظة تعز نموذجًا صارخًا لهذا الواقع، حيث تتفاقم التحديات بفعل الاكتظاظ، ونقص الكوادر التعليمية، وضعف البنية التحتية، إلى جانب اختلالات إدارية تزيد من تعقيد المشهد، ما يهدد مستقبل جيل كامل ويضع العملية التعليمية أمام اختبار حقيقي.

في ظل ظروف إنسانية ومعيشية صعبة، تواجه قرية “الحاز عصيدة” التابعة لعزلة قدس بمديرية المواسط، محافظة تعز، أزمة تعليمية خانقة ناجمة عن ممارسات إدارية وصفها الأهالي بـ“التعسفية” و“الفاسدة”، والتي تهدد بحرمان أطفالهم من حقهم الأساسي في التعليم. مناشدات الأهالي، التي وصلت إلى “كاتب التقرير”، تكشف عن صورة مؤسفة للفساد الإداري والتواطؤ الذي يمارسه مسؤولون محليون، متجاوزين التوجيهات الصادرة من جهات عليا، ومُضعفين بذلك أسس الدولة ومُقوّضين لمستقبل الأطفال.

رفض الالتحاق بالمدارس واقتحام عنيف

يؤكد أهالي قرية “الحاز عصيدة” أن مدير مكتب التربية والتعليم بالمديرية، عبدالحفيظ المنيفي، يرفض قبول أطفالهم في مدارس المديرية، ضاربًا عرض الحائط بالتوجيهات الصادرة من جهات عليا بهذا الخصوص. هذا الرفض الممنهج، وفقًا للأهالي، ليس سوى جزء من حلقة أوسع من الفساد الإداري الذي يضرب المديرية.

تفاقمت الأزمة بتطور خطير، حيث قام المدير العام ورئيس المجلس المحلي للمديرية، عبدالجليل غرسان الحمادي، بإغلاق مدرسة الشهيد زايد سلطان التابعة للقرية. وقد تم اعتقال المشرف المعين من قبل مكتب التربية بالمحافظة، «الأستاذ عبدالله حزام»، بالقوة وإجباره على تسليم ختم المدرسة والضغط عليه. هذا الإغلاق، الذي وصفه الأهالي بـ“البلطجة”، جاء رغم التوجيهات الصريحة من مدير مكتب التربية بالمحافظة، الأستاذ عبدالواسع شداد، بضرورة حل المشكلة بشكل قانوني.

معركة التعليم: حرمان ممنهج ومقاومة مجتمعية

ظلت مدرسة الشهيد زايد سلطان بالحاز (عصيدة) مغلقة لأكثر من خمسة عشر عامًا، قبل أن يتم إعادة فتحها مركزيًا في العام الدراسي 2023/2024 بجهود من مكتب التربية بمحافظة تعز، وبحضور مدير التربية بالمحافظة ومدير التربية بالمديرية. ورغم تعيين مشرف للمدرسة، إلا أن الحقد الممنهج من قبل مسؤولي المديرية، وخصوصًا مدير مكتب التربية «عبدالحفيظ المنيفي»، بدعم من أحد نواب المحافظ خالد عبدالجليل، لم يفارقهم.

تتجلى ممارسات الحرمان في عدم توفير الكتب المدرسية والمقاعد والخدمات الأساسية للمدرسة، بالإضافة إلى حرمان المعلمين المتعاقدين من رواتبهم التي كانت تُصرف من المنظمات. ويزداد الطين بلة مع تكرار هذه التعسفات في العام الدراسي الجديد، حيث يعاني الطلاب والمدرسون من مضايقات مستمرة.

في مواجهة هذا الإهمال المتعمد، أظهر أهالي القرية والمجلس الأهلي صمودًا لافتًا، حيث قاموا بشراء الكتب المدرسية على نفقتهم الخاصة وتوفير معلمين متعاقدين بتمويل من مجلس الآباء والأهالي. هذا الإصرار على التعليم يعكس إيمانهم الراسخ بحق أطفالهم في مستقبل أفضل، رغم كل التحديات التي يواجهونها.

عرقلة تسجيل الطلاب وتجاهل التوجيهات العليا

تجاوزت الممارسات التعسفية حرمان المدرسة من المستلزمات الأساسية، لتصل إلى تعميم يوجّه مديري المدارس المجاورة في مديرية المواسط بعدم قبول خريجي الصف السادس في مدرسة الشهيد زايد سلطان الأساسية للتسجيل في الصف السابع. هذا القرار المجحف يتجاهل حقيقة أن مكتب التربية بالمحافظة هو من افتتح المدرسة وأقر باعتماد نتائجها وشهاداتها مركزيًا، بعد رفض مدير مكتب التربية بالمديرية القيام بذلك.

ورغم وجود توجيهات من رئيس مجلس النواب الشيخ سلطان البركاني، ومدير عام مكتب التربية بالمحافظة الأستاذ عبدالواسع شداد، بضرورة معالجة مشكلة الطلاب وقبولهم، إلا أن هذه التوجيهات تُقابل بالتجاهل التام من قبل مسؤولي المديرية. اللافت أن طلاب المدرسة اضطروا للتسجيل في مدارس خارج المحافظة كصنعاء، وفي مديريات مجاورة كالمعافر والشمايتين، بينما يتم محاربتهم داخل مديريتهم.

اختطاف مشرف المدرسة وسوء استخدام السلطة

أحد الفصول الأكثر قتامة في هذه القضية هو قيام مدير المديرية بإغلاق المدرسة وتعيين أحد المواطنين للقيام بدور مدير المدرسة، وحرمان المدير الفعلي من الدخول. هذا التصرف غير القانوني يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق المعلمين واعتداءً على حرمة المؤسسات التعليمية. الأهالي يؤكدون أن هذا المعلم ليس له أي علاقة بالإرهاب، وأن انتزاعه بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب غير اللائق يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الممارسات، وهل هي ذات دوافع حزبية أو سياسية أو لمصالح شخصية.

واقع مأساوي في مدرسة الشهيد زايد سلطان

وفي سياق متصل، تكشف جولة للكاتب في مدرسة الشهيد زايد سلطان بعزلة قدس عن واقع مرير، حيث يفترش عشرات الطلبة بلاط الفصول في أجواء باردة للغاية نتيجة عدم توفر المقاعد الدراسية. حيث أفاد أحد التربويين المتطوعين أن العديد من الفصول تعاني من نقص حاد في المقاعد، ما يؤثر سلبًا على مستوى التحصيل العلمي للطلبة.

ورغم الوعود التي أطلقها مدير عام مكتب التربية بالمحافظة أثناء افتتاح المدرسة بتوفير الحقائب المدرسية والكتب والمقاعد، إلا أن هذه الوعود لم تتحقق بشكل كامل. تم صرف 120 حقيبة مدرسية فقط من أصل 150، وعرقلت المديرية صرف 50 كرسيًا كان قد التزم بها مدير التربية بالمواسط، وكذلك 150 كرسيًا من قبل مدير المشاريع. هذا الحرمان الممنهج دفع مجلس الآباء والأهالي للتعاقد مع معلمين متطوعين ودفع رواتب لهم، وشراء الكتب من محافظات أخرى لسد احتياجات المدرسة.

نداء استغاثة ومطالب بالإنصاف

يناشد أهالي قرية “الحاز عصيدة” جميع الضمائر الحية والمسؤولين في الدولة التدخل لإنصاف هؤلاء الطلاب ومنحهم جميع حقوقهم أسوة ببقية طلاب المدارس الأخرى، وتعويضهم عن الحرمان الذي تعرضوا له في الأعوام الماضية. ويؤكد الأهالي عزمهم على مقاضاة كل من تسبب في عرقلة العملية التعليمية بالمدرسة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويدين الأهالي بشدة ما قام به مدير المديرية بإغلاق المدرسة ومنع مدير المدرسة من ممارسة عمله، مطالبين بمحاسبة المتسببين في هذه الانتهاكات. وتؤكد القرية أن جميع الوثائق والصور التي تثبت صحة ما تم نشره محفوظة وجاهزة لتقديمها للجهات المعنية.

هذه القضية لا تمثل مجرد خلاف إداري، بل هي صرخة استغاثة من مجتمع يسعى جاهدًا لتأمين مستقبل أطفاله في وجه فساد إداري مستشرٍ، يتطلب تدخلًا عاجلًا وحاسمًا من أعلى المستويات لضمان حق التعليم لأطفال اليمن.

#أطفال_اليمن