أطفال البهائيين في اليمن: أثر يتجاوز جدران المعتقل

أغسطس 25, 2026 - 01:46
 0  7
أطفال البهائيين في اليمن: أثر يتجاوز جدران المعتقل

أطفال البهائيين في اليمن: أثر يتجاوز جدران المعتقل

تقرير إصلاح صالح

لم يكن "ر.ل"، ذو الحادية عشرة من العمر، يدرك أن اختطاف والده وانتشار خبر اعتقاله بسبب انتمائه الديني للطائفة البهائية سيغيران شكل طفولته إلى الأبد، فما بدأ بخوف على والده، سرعان ما امتد أثره إلى حياته اليومية، ففي المدرسة تحولت جدران الفصل الدراسي من مساحة للتعلم إلى ساحة للتنمر والتعليقات من زملائه، بينما عمقت نظرات أصدقائه في الحي إحساسه بالاختلاف، حتى بدأ يبتعد عن المدرسة واللعب، وانتهت الأسرة إلى قرار الرحيل، فحزم ما تبقى من طفولته وغادر البلاد بحثًا عن أمان مفقود.

  قصة "ر.ل" ليست مجرد حادثة فردية، بل هي وجه لظاهرة أعمق يعيشها أطفال البهائيين في اليمن، فحين يعتقل أحد الوالدين بسبب معتقده، لا يبقى الأثر خلف القضبان، بل يمتد إلى البيت والشارع والمدرسة. 

خلال السنوات الماضية، شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن حملات اعتقال واسعة استهدفت البهائيين، بينهم نساء وأطفال، فيما تكررت المداهمات والملاحقات للتجمعات البهائية، إلى جانب التهديد والاحتجاز ومصادرة الممتلكات والقيود على ممارسة الشعائر والنشاط المجتمعي، ما دفع بعض الأسر إلى الانتقال أو مغادرة البلاد في أسواء الاحوال، وامتد أثر هذه الإجراءات إلى الأطفال الذين وجدوا أنفسهم أمام تبعات لم يختاروا أسبابها.

تقول والدة الطفل "ر.ل" إن ما مر به ابنها لم يكن نتيجة حادثة واحدة، وإنما تراكمًا بدأ بعد اعتقال والده وانتشار خبر انتماء الأسرة الديني، ثم انعكس على حياة الطفل في المدرسة ومحيطه الاجتماعي. وتوضح أن أكثر ما أثار قلق الأسرة كان تغير سلوك ابنها، إذ لم يعد يرغب في الذهاب إلى المدرسة أو الخروج للعب مع الأطفال، وأصبح يميل إلى البقاء في المنزل، قبل أن تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى مغادرة اليمن. وتؤكد أن قرار الرحيل لم يكن بحثًا عن حياة أفضل، بقدر ما كان محاولة لتجنبيه مصير والده وتوفير بيئة يشعر فيها طفلها بالأمان ويستطيع أن يعيش ويدرس دون أن تكون هوية أسرته سببًا في إيذائه أو عزله.

أطفال في المعتقل

ولا تقتصر آثار الملاحقة على الأطفال الذين شهدوا اعتقال والديهم، إذ أكد مصدر مطلع على أوضاع البهائيين في اليمن، أن أطفالًا كانوا أيضًا من بين المعتقلين خلال حملات استهدفت البهائيين، إلا أن محدودية عدد هذه الحالات تجعل الحديث عن تفاصيل تجاربهم محفوفًا بمخاطر كشف هوياتهم، إذ قد تكفي بعض التفاصيل، حتى مع إخفاء الأسماء، للتعرف إلى أصحابها، لذلك فضلوا عدم مشاركة قصصهم.

ويضيف المصدر أن أطفالًا آخرين عاشوا تبعات الاعتقال من خارج أماكن الاحتجاز، بعدما شهدوا مداهمة منازلهم واعتقال آبائهم أو أمهاتهم، وفي بعض الحالات تعرضوا للترهيب والتهديد بمصير والديهم، ثم عاشوا لاحقًا قلق الانتظار أو زيارة أحد الوالدين في المعتقل. ويرى المصدر أن هذه التجارب تمثل جانبًا غالبًا ما يغيب عن توثيق الانتهاكات، رغم ما قد تتركه من أثر أعمق في شعور الأطفال بالأمان وحالتهم النفسية.

خلف جدران الصدمة

وتروي أسرة الطفلة "أ.س" (10 سنوات) تجربة مماثلة، حيث عاشت لحظات رعب إثر اعتقال والديها وبقائها مع شقيقها الأصغر في عهدة جديها. هذا النوع من التجارب، كما تصفه الأسرة، جعل من "طرق الباب" أو "رنين الجرس" مصدر قلق دائم يرتبط بمداهمة جديدة، مما أدى إلى اضطرابات في النوم وتراجع في التحصيل الدراسي، بينما أصبح شقيقها الأصغر قليل الكلام نتيجة الصدمة.

واجهت الأسر البهائية تحدي شرح الواقع للأطفال بطريقة صادقة وبسيطة، حيث اعتمدت استراتيجية تهدف لحماية الأطفال من الشعور بالخجل أو الرغبة في الانتقام، فشرحت الأم لـ "أ.س" أن اعتقال والدها "لم يكن بسبب خطأ ارتكبه، بل نتيجة خدمته للمجتمع ومعتقده". كان الهدف هو تعزيز قيمة المقاومة الإيجابية، حيث يتعلم الطفل أن اختلاف المعتقد لا يعني الصراع، بل هو دافع للاستمرار في الخدمة والتعايش رغم الظلم، بحسب الأسرة.

أثر لا ينتهي عند الاعتقال

وترى الأخصائية النفسية الدكتورة إيمان لطف البريهي، أن اعتقال أحد الوالدين "يهز أحد أهم مصادر شعور الطفل بالأمان، فالطفل يحتاج إلى أن يرى والديه قادرين على حمايته، وأن يشعر بأن المنزل مكان آمن. وفي بعض الحالات قد يستمر الطفل في الشعور بالخوف حتى بعد عودة الوالد، خصوصا إذا لم يفهم سبب الاعتقال أو إذا كان قد شهد المداهمة أو الاحتجاز أو لاحظ حالة الخوف التي عاشتها الأسرة".

تقول البريهي: أن "من الجوانب المهمة أيضا مسألة إخفاء الطفل لانتماء أسرته الديني خوفا من الوصمة أو التمييز أو التعرض للأذى. عندما يشعر الطفل أن جزءا من هويته يجب أن يبقى سرا حتى يكون آمنا، فقد يعيش صراعا داخليا بين هويته وبين حاجته إلى القبول والحماية. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤثر ذلك على ثقته بالآخرين وعلى شعوره بأنه قادر على أن يكون نفسه دون خوف".

لكن البريهي تؤكد أن هذه التجربة لا تعني بالضرورة إصابة الطفل باضطراب نفسي دائم، فوجود أسرة داعمة وشخص بالغ يثق به الطفل وبيئة مدرسية آمنة، إلى جانب إجابات صادقة تتناسب مع عمره، يمكن أن تساعده على استعادة شعوره بالأمان.

حق الاختلاف

بحسب مدير مكتب الشؤون العامة للبهائيين في اليمن، نادر السقاف، فان تبعات اعتقال أبناء الطائفة لا تقتصر على الأطفال الذين شهدوا اعتقال والديهم مباشرة، إذ اضطرت بعض الأسر البهائية إلى تغيير أماكن سكنها أو إيقاف أطفالها عن الدراسة لفترات، خشية الملاحقة أو الوصول إلى الوالدين المطلوبين من خلال متابعة الأطفال أثناء ذهابهم إلى المدرسة أو عودتهم منها.

وبحسب السقاف، لم تشجع الأسر البهائية أبناءها على إخفاء انتمائهم الديني، بل أكدت لهم أن الإيمان مسألة شخصية، وأن اختلاف المعتقد لا ينتقص من المواطنة أو الحقوق. لكن ذلك لم يمنع تعرض بعض الأطفال لتعليقات مسيئة أو أشكال من التنمر، وهو ما ربطته الأسر "بنقص المعرفة بالدين البهائي".

وفي مواجهة ذلك، حرصت الأسر، وفق السقاف، على ألا يتحول اعتزاز الأطفال بهويتهم إلى مواجهة مع الآخرين، بل إلى فهم أن الاختلاف الديني جزء من تنوع المجتمع اليمني. ويؤكد أن استمرار وجود البهائيين داخل اليمن، رغم ما تعرضوا له من ضغوط، يعكس تمسكهم بأن يكونوا جزءًا من مجتمعهم ويسهموا في خدمته، لا أن يتحول اختلافهم الديني إلى سبب لإقصائهم أو دفعهم إلى الرحيل.

نص بلا حماية

ولا يوجد في اليمن قانون خاص بالأقليات الدينية، لكن قانون حقوق الطفل رقم (45) لسنة 2002م ينص في مادته التاسعة على تمتع الطفل بالحقوق والحريات وأوجه الحماية والرعاية التي تكفلها القوانين النافذة دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد. https://www.yemen-nic.info/db/laws_ye/detail.php?ID=11754&utm_source=chatgpt.com

 لكن قصص الأطفال التي يوثقها هذا التقرير تكشف فجوة بين الحق الذي ينص عليه القانون وما يعيشه بعض الأطفال فعليًا.

ويرى الأمين العام للمجلس الوطني للأقليات في اليمن، وليد صالح عياش، أن قضية الأطفال البهائيين تتجاوز جماعة دينية بعينها، وتمثل "اختبارًا حقيقيًا لمعنى المواطنة وحقوق الإنسان في اليمن". ويقول إن دفع الطفل ثمن معتقد أسرته قد يجعله ينشأ وهو يشعر بأن هويته تجعله أقل قبولًا وحقوقًا من غيرهم في المجتمع، وقد يدفعهم إلى إخفاء هويتهم والشعور بالغربة داخل وطنهم.

ويحذر عياش من أن تعليم الأطفال أن الاختلاف الديني سبب للإقصاء يزرع بذور صراعات مستقبلية، داعيًا إلى تكريس المواطنة المتساوية، وحماية حرية المعتقد، وتنقية التعليم والإعلام من خطاب الكراهية، وبناء ثقافة ترى التنوع ثراءً لا تهديدًا. ويختصر ذلك بأن حماية أطفال الأقليات الدينية ليست حماية لفئة بعينها، وإنما حماية لمستقبل اليمن نفسه.

ما لا تحصيه الأرقام

تظل الصورة الكاملة لتأثير الاضطهاد على الأطفال البهائيين صعبة القياس، فلا توجد، بحسب مدير مكتب الشؤون العامة للبهائيين في اليمن، إحصاءات دقيقة ترصد أعداد الأطفال الذين تركوا الدراسة أو اضطروا إلى تغيير أماكن إقامتهم بسبب الملاحقة. ويعزو ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة عن المجتمع البهائي نفسه، في ظل المخاطر المرتبطة بالكشف عن الهوية الدينية.

ويشير السقاف إلى أن آلاف البهائيين ما زالوا يعيشون داخل اليمن في مدن ومحافظات مختلفة، رغم الظروف الصعبة وما تعرضوا له خلال السنوات الماضية من اعتقال وملاحقة وتهديد ومصادرة للممتلكات وقيود على العمل والعبادة والنشاط المجتمعي، فيما تمثل الأسر التي اضطرت إلى مغادرة البلاد قسرًا جزءًا محدودًا من المجتمع.

وتشير منظمة العفو الدولية إلى أنها وثقت منذ عام 2015م اعتقال ما لا يقل عن 100 من اتباع الديانة البهائية في اليمن على يد سلطات الحوثيين، بينهم 65 شخصًا اعتقلوا في أغسطس 2016م، بينهم ستة أطفال. وفي مايو 2023م اعتقل 17 بهائيًا، بينهم خمس نساء.

وفي مسار آخر من التضييق، أصدرت محكمة تديرها سلطات الحوثيين في صنعاء في يناير 2018م حكمًا بإعدام البهائي حامد حيدرة، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم في مارس 2020م. وبعد أيام، أعلن رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين العفو عنه والإفراج عن السجناء البهائيين، فيما أُفرج عن حيدرة في يوليو من العام نفسه مع خمسة بهائيين آخرين، مع اشتراط مغادرتهم اليمن وفق توثيق أممي.

خلف أرقام الاعتقالات، هناك أطفال لا تظهر أسماؤهم في البيانات ولا تقاس آثار ما عاشوه بسهولة، طفل فقد مدرسته، وآخر تغير مكان إقامته، وثالث تعلم أن إخفاء هويته قد يكون أكثر أمانًا من إعلانها. وفي حالة "ر.ل"، لم تنته القصة عند اعتقال والده، بل امتدت إلى المدرسة والشارع ثم انتهت بحقيبة سفر. وبينما يمكن توثيق عدد المعتقلين، يصعب إحصاء ما خسره الأطفال خلف هذه الأرقام: شعورهم بالأمان، تعليمهم، علاقاتهم، وثقتهم بأن لهم مكانًا في وطنهم.