أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة.. طفولة في مواجهة الفقر وقسوة المناخ.

3.2 مليون طفل خارج المدرسة، وأعداد أخرى تنخرط في سوق العمل المبكر، فيما تختصر قصة يسرى معاناة أطفال دفعتهم الحرب والنزوح والفقر بعيدًا عن مقاعد الدراسة.

أغسطس 21, 2026 - 23:58
أغسطس 22, 2026 - 01:14
 0  1
أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة.. طفولة في مواجهة الفقر وقسوة المناخ.

تقرير رقية علي

في الساعة السابعة صباحًا، تكون شمس مأرب قد بدأت ترسل حرارتها الأولى، فتخرج يسرى من البيت. تضع طاقية على رأسها، وتحمل بكفّيها الصغيرتين مجموعة من الإكسسوارات، ومعها أمل بسيط بأن تجد اليوم من يشتري منها.

تبدأ يومها في شوارع مدينة مأرب، كما تفعل كل صباح. مشهد يتكرر هنا وفي شوارع يمنية أخرى، حيث تدفع ظروف الحرب والنزوح والفقر أطفالًا إلى الشارع بدلًا من مقاعد الدراسة.

وفي عام 2026، تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى أن أكثر من 3.2 مليون طفل يمني تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا خارج المدرسة، من بينهم 1.2 مليون طفل في سن التعليم الأساسي. كما يواجه نحو 1.5 مليون طفل نازح داخليًا اضطرابات في تعليمهم تزيد من خطر تسربهم نهائيًا.

يسرى واحدة من هؤلاء الأطفال، لكنها لا تعرف رقمها في هذه الإحصاءات.

في العاشرة من عمرها، تحمل يسرى حكاية نزوح بدأت قبل أكثر من سبع سنوات، حين دفعتها الحرب من مدينة صنعاء إلى محافظة مأرب. لتجد نفسها وأسرتها أمام ظروف معيشية قاسية وتكاليف متزايدة، حتى اضطرت إلى الخروج إلى شوارع المدينة والعمل كبائعة متجولة، مثل أطفال آخرين دفعتهم الظروف نفسها إلى سوق العمل.

مع كل كلمة تقولها يسرى، ترتسم على وجهها ابتسامة طفولة خجولة. لكن تلك الابتسامة لا تخفي العبء الذي تحمله فآثار الشمس على بشرتها ظاهرة، وعلامات التعب تختلط بأحلام طفلة ما تزال في العاشرة.

أعود كل مساء إلى المنزل وأنا متعبة، وأصاب أحيانًا بالرعاف، وينتشر الطفح في جسمي، وأصاب كثيرًا بالحميات ، تقول يسرى، ثم تضيف: أعمل من أجل أسرتي.

في منزل يسرى، الذي يضم الأب والأم وخمسة أطفال، تختصر الأسرة جزءًا من المعاناة التي فرضتها الحرب والنزوح على آلاف الأسر اليمنية.

يقول والدها يحيى إنه كان قبل النزوح والحرب يعمل في بيع البطاطس، ويمتلك حافلة صغيرة يعمل عليها، وكانت تلك المهنة تكفي لتأمين الطعام والدواء والمسكن لأسرته وأطفاله الخمسة.

لكن النزوح غيّر كل شيء.

يقول يحيى بعد النزوح أصبحت بلا عمل، وتراكمت علينا المصاريف، ولم أجد خيارًا سوى أن أخرج أنا وأطفالي لبيع ما ننتجه في المنزل.

اليوم، تبدأ معاناة الأسرة من الإيجار الذي يتجاوز 280 ألف ريال، أي ما يعادل نحو 700 ريال سعودي، ولا تنتهي عند تكاليف الغذاء والدواء والتعليم.

وبين هذا الواقع المعيشي القاسي تقف يسرى، وأمامها حلم يبدو بسيطًا، لكنه بالنسبة إليها أصبح بعيدًا: بيت آمن ومدرسة تعود إليها مثل بقية الأطفال.

تقول يسرى إنها تحلم بأن تملك بيتًا آمنًا يخلو من طرق صاحب الإيجار، وأن تعود إلى المدرسة بدلًا من ملاحقة الناس في الشوارع.

لا تبدو قصة يسرى منفصلة عن المشهد الأوسع في اليمن. ففي الوقت الذي تؤكد فيه اليونيسف أن الفقر والنزوح والحاجة إلى العمل من أجل مساعدة الأسرة من العوامل التي تقطع تعليم كثير من الأطفال، تظل عمالة الأطفال واحدة من النتائج المباشرة لهذا الواقع. 

في يونيو 2026، أشارت اليونيسف إلى أن 12.5% من الأطفال بين 5 و14 عامًا في اليمن منخرطون في عمالة الأطفال، وترتفع النسبة إلى 15.4% في المناطق الريفية.

بالنسبة إلى يحيى والد الطفلة يسرى لا تبدو المسألة اختيارًا بين المدرسة والعمل بقدر ما تبدو محاولة للبقاء.

يقول: "أتألم عندما أشاهد الآثار التي يعاني منها أطفالي نتيجة تعرضهم لحرارة الشمس والرياح والعواصف الرملية، ولكني أتذكر ما هو أشد، وهو خوفي عليهم من الجوع. لنعود كل يوم من جديد ونخرج لنعمل كباعة متجولين في شوارع المدينة من أجل تأمين لقمة العيش".

في أيام الصيف، تقف يسرى تحت شمس لا ترحم. وفي أيام أخرى، حين تهب العواصف الرملية أو تنهمر الأمطار، لا يتغير شيء في يومها سوى نوع التعب.

يقول والدها إن الطقس القاسي يزيد من صعوبة عمل الأطفال، لكنه لا يمنعهم من الخروج؛ فالبيت يعتمد على ما تجمعه أيديهم الصغيرة كل مساء، مهما كانت السماء غاضبة.

هكذا تتوزع طفولة يسرى بين فصول السنة ...

وتحذر أوساط طبية من أن استمرار الأطفال في العمل في مثل هذه الظروف قد يعرضهم للإجهاد الحراري والجفاف ومشكلات الجهاز التنفسي والأمراض الجلدية، فضلًا عن تأثير قسوة العمل وسوء التغذية وقلة الراحة في نموهم على المدى البعيد.

وتؤكد أخصائية طب الأطفال، الدكتورة غفورة الصنعاني، أن التعرض المستمر لدرجات الحرارة المرتفعة أو البرودة الشديدة والعواصف الرملية ينعكس سلبًا على صحة الأطفال، بدءًا من ارتفاع حرارة الجسم وظهور مشكلات جلدية، وصولًا إلى التهابات في الجهاز التنفسي قد تترك آثارًا مزمنة مع تكرار التعرض لهذه الظروف لسنوات طويلة.

وتضيف أن قسوة العمل، إلى جانب سوء التغذية وقلة الراحة، تؤثر في نمو الأطفال وبنيتهم الجسدية، وتزيد من احتمال تعرضهم للإصابات أثناء العمل في الشارع.

كل ذلك بينما قد تبدو أعراض مثل الرعاف والطفح الجلدي الذي تتحدث عنه يسرى، في نظر البعض، مجرد تعب عابر. لكن بالنسبة إلى طفلة تقضي ساعات يومها في الشارع، لا ينتهي التعب بانتهاء ساعات العمل.

وفي بلد ما تزال فيه الحرب والنزوح والفقر تدفع ملايين الأطفال بعيدًا عن التعليم، تبدو أمنية يسرى بالعودة إلى المدرسة أكبر من مجرد حلم طفلة؛ إنها محاولة لاستعادة جزء من طفولة أخذها منها النزوح والحاجة.

إذ يرى مراقبون في الشأن الإنساني أن الحد من عمالة الأطفال لا يمكن أن يتحقق بإبعادهم عن الشوارع فقط، وإنما بمعالجة الظروف التي دفعتهم إليها، من خلال دعم الأسر اقتصاديًا وتوفير مصادر دخل بديلة، إلى جانب ضمان عودة الأطفال إلى التعليم وتوفير الحماية والرعاية الصحية لهم، خصوصًا في ظل الظروف المناخية القاسية التي يواجهونها أثناء العمل.

ويؤكد مراقبون أن على الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والمحلية توسيع برامج الحماية الاجتماعية والمساعدات النقدية، ودعم التعليم وإعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس، مع توفير آليات لرصد أوضاع الأطفال العاملين وحمايتهم، بما يساعد الأسر على تجاوز الظروف التي دفعت أطفالها إلى سوق العمل.

فحماية الطفولة، كما تختصرها قصة يسرى، لا تبدأ من الشارع فقط، بل من الأسرة التي تحتاج إلى ما يمكّنها من العيش دون الاعتماد على أيدي أطفالها الصغيرة.