اوجاع الطفولة

يوليو 21, 2026 - 18:39
 0  4
اوجاع الطفولة

أنين الطفولة خلف ستائر النسيان في اليمن

لم تعد الطفولة في اليمن مرحلةً عمرية تُعاش ببهجة اللعب وبراءة الأحلام، بل غدت "صك معاناة" يوقّعه الصغار بدموعهم ودماء أجسادهم النحيلة منذ الصرخة الأولى للولادة. في بقعة غيبتها ضمير العالم، يسطر أطفال اليمن فصلاً هو الأشد قسوة في تاريخ البشرية الحديث؛ فصلٌ عنوانه الموت الصامت، وأبطاله ملائكة صغيرة أُجهضت أحلامهم قبل أن تولد إذا نجا الطفل في اليمن من شظية طائشة أو قذيفة غادرة، فإنه يقع فريسةً لثلاثية مرعبة لا ترحم. تحولت أجساد الأطفال الغضة إلى ساحات معارك مستعرة للأمراض والأوبئة التي اعتقدت البشرية أنها انقرضت. فالكوليرا، والدفتيريا، وحمى الضنك، والحصبة، تنهش تلك الأجساد بلا هوادة، في ظل منظومة صحية تهدمت أركانها، وغدت عاجزة حتى عن توفير أبسط المضادات الحيوية أو جرعات اللقاح الأساسية.

أما "سوء التغذية الحاد"، فقد غدا شبحاً مخيفاً يختطف البراءة جهاراً نهاراً. ليس هناك ما هو أقسى على النفس الإنسانية من رؤية طفل يمني تحول إلى هيكل عظمي يكسوه جلد جاف، يصارع أنفاسه الأخيرة على سرير مشفى متهالك، وعيناه الغائرتان ترويان قصة خذلان عالمٍ بأسره. إنهم يموتون جوعاً ومرضاً في القرن الحادي والعشرين، في مفارقة مخزية لضمير الإنسانية المدّعى إن المعاناة لا تتوقف عند حدود الوجع الجسدي؛ بل تمتد لتغتال مستقبل جيل كامل. فالمدارس التي هُجرت أو دُمرت تحولت إلى أحلام بعيدة المنال، وتحول القلم في يد الطفل إلى معول شقاء يبحث به في القمامة عن لقمة عيش يسد بها رمق عائلته، أو يساق مكبلاً إلى عمالة مبكرة قاسية تفوق طاقته الغضة هؤلاء الأطفال لا يعانون فقط من فقر الدم وفقدان المناعة، بل يعانون من "فقر الأمان" وانعدام الاستقرار النفسي. يكبرون على دوي الانفجارات، ويستيقظون على فواجع الفقد، حتى غدت الابتسامة عملة نادرة في وجوههم، وحلّت مكانها نظرات الذهول والخوف من غدٍ مجهول إن مأساة طفل اليمن ليست مجرد أزمة إنسانية تُختزل فتقارير دورية تقرؤها المنظمات الدولية ببرود، بل هي وصمة عار أبدية على جبين المجتمع الدولي الذي يقف متفرجاً على إبادة جماعية لجيل بأكمله، إما بالحصار، أو بالمرض، أو بالتجاهل.أطفال اليمن لا يطلبون ترفاً، ولا يحلمون بمعجزات؛ إنهم يطالبون بكسرة خبز نظيفة، بجرعة دواء تشفي سقمهم، بجرعة ماء خالية من الوباء، وبحقهم الفطري في الحياة والأمان نقول للجميع ستنتهي الحروب يوماً ما، وتوضع الأوزار، وتجف الدماء على الأرض، لكن النظرة الانكسارية في عيون أطفال اليمن، والندوب التي تركتها الأمراض والأوجاع في أرواحهم وأجسادهم، ستبقى شاهداً حياً على زمنٍ مات فيه الضمير العالمي، وتركت فيه براءة اليمن لتواجه مصيرها المظلم وحيدة تحت رماد النسيان. إنقاذ أطفال اليمن ليس منّة من أحد، بل هو الواجب الأخلاقي الأخير الذي قد يرمم ما تبقى من إنسانيتنا الممزقة.