بعد الطلاق...أطفال لا يملكون حق الاختيار

أبريل 27, 2026 - 06:39
أبريل 28, 2026 - 16:33
 0  18
بعد الطلاق...أطفال لا يملكون حق الاختيار

بعد الطلاق...أطفال لا يملكون حق الاختيار

تحقيق: 

مرت ثلاث سنوات وأنا لم أرَ ابنتي  لم يكن السبب حرباً أو موتاً؛ بل والدها بعد الطلاق... سمعتُ قصة عني،

قصة لم يسبق لي سماعها مطلقاً

تذكر سعاد (٣٨ سنة) من عمران، أنه وعند طلبها للطلاق أخذ الأب أطفالها ولم يسمح لهم برؤيتها قائلاً أنهم لا يرغبون، وبعد عدة محاولات من عائلتها للالتقاء بالطفلتين، أخبرتهما أنهما لا ترغبان برؤية والدتهن، ولم يذكرا السبب إلا بعد محاولة خالتهما الكبرى رؤيتهما في المدرسة. وعند سؤالها عن عدم رغبتهما أخبرتها "لين" وهي البنت الكبرى التي لم تبلغ من العمر سوى ١٣ سنة: "والدتي أرادت الرحيل وهي لم تحبنا، وإلا ما رفضت العودة مع والدي عندما ذهب لإرجاعها".

تضيف سعاد أن ابنتي أوضحت من خلال حديثها مع خالتها أن والدها أخبرها أنني مرتبطة برجلٍ آخر؛ لذلك طلبت الطلاق ورفضت العودة.

إن العديد من الآباء يستخدمون أساليب مختلفة للاحتفاظ بأطفالهم، لكن تشويه سمعة الأم عند أطفالها فعل يستنكره الإنسان؛ لتأثيره في نشأة الطفل وتأثيره النفسي عليه.

أسلوبٌ آخر حدث مع هدى (٣٥ سنة) من رداع، فعند الطلاق حاولت الوصول إلى حل سلمي مع طليقها لعدم قدرتها على تحمل تكلفة المحامي إن لجأت للقضاء، لكن طليقها أكد لها أن ابنها هو الذي لا يرغب بالبقاء معها.

تقول: أحضره والده لكني تفاجأت بقول لؤي طفلي الذي يبلغ من العمر ست سنوات أنه يريد والده، سألته: وأنا؟ تهرب من الجواب قائلاً أريد أبي فقط.

لكني التقيت به عن طريق الصدفة في إحدى الحدائق وجلست معه أحدثه، لأكتشف أن والده يبقيه بالتهديد والتخويف، فقد أخبره: إن ذهبت للعيش مع أمك، سأذهب إليها لأقتلها، هل تريد أن تبقى بلا أم؟!

والكثير من عبارات التهديد الذي لا تتناسب مع طفل صغير ليتلقاها من والده.

حاولت معدة التحقيق الوصول إلى أحد الآباء وسؤاله لماذا تقوم بهذا التصرف؟ 

أجاب "أنه لا يريد أن يتبهذل  ابنه أو يعيش في بيت الآخرين" وأوضحت معدة التحقيق أن الطفل سيعيش بجوار أمه في بيت والدها الذي هو بيت أخواله، لكنه أجاب بالرفض قائلاً أن ابنه لن يتربى أو يعيش كما لو هو في بيت والده.

تعددت الطرق المستخدمة والضحية واحدة "الأطفال".

فبجانب حرمانهم من أمهاتهم ومحاولة إكراههم، تعدى الأذى إلى ما هو أبعد من ذلك، فبعض الأمهات لجأن إلى القضاء فكان للآباء حل آخر، فبينما كان الحكم لصالح الأم وأخذت حق الحضانة، قام أحمد (طليق أماني) بأخذ ابنتهما في يوم زيارته الأسبوعية كالمعتاد، لكنه لم  يُعِدها مما شكل عبئاً وتخويفاً لأماني وإعادتها للملاحقة في المحاكم بعد أن صرفت الكثير من الأموال في حكم الحضانة السابق، فوفقاً للمادة (١٣٨) من القانون اليمني لمسائل الحضانة والأسرة فإن الأم هي الأحق بالحضانة أولاً.

مريم (٢٥ سنة) صنعاء: "ابني يبلغ من العمر ٧ سنوات خرج ليشتري من البقالة لكنه لم يعد. خفت كثيراً فقد استغرق خروج حكم الحضانة مايقارب السنة والنصف لأخذه من والده. خرجت إلى الشارع ابحث عنه، لم أجده سألت البائع وأخبرني أنه جاء رجل وأخذه معه، سألته هل كان طفلي مجبراً؟ أكد لي أنه ذهب معه مبتسماً فتأكدت أنه والده، اتصلت لأخبره بإرجاعه، لكنه أجابني بأن الابن ابنه ولن يعيش سوى معه، مما أعادني الآن للمحكمة مجدداً."

الجانب القانوني

من جهته قال المحامي معاذ علي أن المحاكم تواجه الكثير من الحالات التي يحاول فيها أحد الطرفين منع الآخر من رؤية الأطفال أو استلامهم، مثل ادعاء الأب سقوط حق الأم في الحضانة بسبب الزواج أو الإهمال أو عدم الأهلية، أو بسبب خلافات على تنفيذ أحكام الحضانة والرؤية. ولكن القانون واضح في هذا الجانب؛ لا يجوز حرمان الأم من الحضانة إلا بسبب قانوني واضح، ويجب أن يكون القرار مبنياً على مصلحة الطفل وليس رغبة الأب. وحتى لو سقطت حضانتها لأي سبب قانوني، فلها حق الزيارة والرؤية، وأي منع بدون حكم قضائي تعتبر مخالفة قانونية يمكن رفع دعوى بشأنها.

ما هو رد فعل القضاء لمثل هذه الحالات؟

في حال ثبوت المنع تصدر المحكمة حكماً بـ"التسليم الجبري" للطفل المحضون، ويعد منع الأم من رؤية أطفالها أو استلامهم مخالفة صريحة تستوجب التنفيذ الجبري عبر السلطات المختصة.

وأضاف علي أنه في حالة قام الطليق بتشويه سمعة الأم أمام الناس أو أمام أطفالها أو اتهامها في أخلاقها، فإن القانون اليمني يوفر عدة خيارات لحمايتها:

- قانون الجرائم والعقوبات: يجرم القذف والسب والإهانة والتشهير، إذا ثبت قيام الطليق بسبها أو قذفها يحق لها رفع دعوى جنائية ضده امام النيابة.

- قانون الأحوال الشخصية: التحريض المستمر للأطفال وتشويه صورة الأم يعتبر دليلاً على عدم الأمانة. إذا كان الأب هو الحاضن وقام بذلك، يمكن للأم المطالبة بنزع الحضانة منه لأنه غير مؤتمن على تربية الطفل تربية سوية ونفسية سليمة.

وأكد علي أن تخويف الطفل لإجباره على اختيار طرف معين قد يؤدي ذلك إلى بطلان الاختيار؛ فإذا شعر القاضي أن الطفل -في سن التخيير- يتحدث تحت تأثير الخوف أو التهديد فلا يُعتد برغبته، ويتم إحالة الأمر لأخصائيين اجتماعيين لتقييم الوضع النفسي للطفل.

القانون يمنع أي سلوك يضر بنمو الطفل النفسي، والتهديد يندرج تحت إساءة معاملة الطفل، ويشترط في الحاضن الأمانة وحسن التربية حسب المادة (140) إذا ثبت أنه يضر نفسياً بالطفل أو يحرضه أو يخوفه.

في حالات التحريض أو التشويه من المهم جداً توثيق الشهادات شهادة الجيران، الأقارب، أو حتى استمارة الحالة النفسية للطفل عبر خبير اجتماعي منتدب من المحكمة مثلاً، لأن القضاء يركز كثيراً على الإثبات الناتج عن الضرر، سواء للطفل أو الأم.  

رد القضاء

كيف يتعامل القضاء مع الآباء في حالات المنع أو الأخذ دون معرفة الأم؟

أجاب المحامي في القانون اليمني، إذا كانت الحضانة لغير الأم فلا يجوز منعها من زيارة المحضون أو زيارته لها، وكذا غيرها من الأقارب المحارم (المادة 145 من قانون الأحوال الشخصية)، وإذا وقع خلاف فالقاضي هو من ينظم الزيارة.

تشترط المادة (140) من القانون في الحاضن الأمانة والقدرة على تربية الطفل وصيانته، فإذا قام الأب بـ"خطف" الطفل يعتبر غير أمين وغير صالح للحضانة، وتكون الأم أحق بحضانة ولدها ما لم يثبت خلاف ذلك، أخذ الطفل منها دون حكم قضائي يعتبر تعدي على حق مقرر قانوناً.

أما في موضوع قيام الأب بأخذ الأطفال من الشارع أو انتزاعهم من الأم دون حكم قضائي، فإن ذلك مخالفة قانونية؛ لأنه لا يجوز نقل المحضون من مسكن حضانته إلا برضا الحاضن أو لضرورة، فيحق للأم اللجوء إلى القاضي لطلب "قرار تسليم محضون" لإعادة الطفل إلى حضانة الأم حتى يتم الفصل في أصل النزاع.

الجانب النفسي

تؤكد الدكتورة كوثر اليماني، الأخصائية النفسية، أن حرمان الطفل من أمه -سواء بسبب الانفصال أو الطلاق أو الوفاة- قد يترك آثاراً نفسية عميقة تمتد من الطفولة حتى مرحلة البلوغ. فالطفل -خصوصاً في السنوات الخمس الأولى- يكون في مرحلة تأسيس شخصيته ونموه في مختلف الجوانب.

غياب الأم في هذه المرحلة قد يؤدي إلى شعور بعدم الأمان، واضطرابات في التعلّق العاطفي، وقد ينعكس ذلك لاحقاً على استقراره النفسي وعلاقاته الاجتماعية.

وفي حالات المنع المتعمد أو الإهمال أو استخدام الطفل كوسيلة ضغط بين الوالدين، يعتبر ذلك شكلاً من أشكال العنف النفسي، لما يسببه من ضرر عاطفي واضطراب في نفسية الطفل.

وتضيف اليماني أن الطفل بطبيعته شديد الحساسية، ويحتاج إلى صورة مستقرة وآمنة عن والديه، فعندما يسمع كلاماً سلبياً عن أحدهما -خاصة من الطرف الأخر- يعيش حالة صراع داخلي بين حبه للطرفين، هذا الصراع قد يؤدي إلى تشوه صورة أحد الوالدين، أو شعور بالذنب والارتباك، وقد يؤثر على استقراره العاطفي.

فمع تكرار الكلام السلبي والمواقف، قد يبدأ الطفل في تصديق هذه الصورة، خاصة إذا كان يعيش مع أحد الوالدين دون الآخر، كما قد يشعر بأنه مرفوض أو مهمل، حتى لو لم يكن هذا هو الواقع.

تقول اليماني أنه في حال لم يتم التعامل مع الطلاق بشكل مناسب وسلمي، فقد تظهر آثار نفسية طويلة المدى، مثل:

• القلق والخوف

• ضعف الثقة بالنفس

• صعوبة في تكوين العلاقات

• الانعزال أو التجنب الاجتماعي

• اضطرابات في التعلّق العاطفي

أما إذا تم الانفصال بطريقة واعية مع الحفاظ على استقرار الطفل وعلاقته بكلا الوالدين، فيمكن تقليل هذه الآثار بشكل كبير.

بين انفصال مصدر الأمان والحيرة عند اختيار طرفٍ بذاته يعيش الطفل مأساة تضاف إلى قلقه، ليختار قراراً مصيرياً يكبر سنَّه ووعيه، لكنه رغم هذا قد يُسيَّر لا يُخيَّر.