أطفال اليمن ضحايا الغرق
تحقيق: ياسمين الصلوي خاص لمنصة #أطفال_اليمن
لازال المواطن علي راشد (30عاما) في ريف ريمة غرب اليمن، يتذكر تفاصيل كثيرة من حادثة غرق شقيقه أحمد ذات التسع سنوات، في بركة ماء بجوار أحد مساجد قريته،رغم مرور وقت طويلا عنها.
يروي علي لمنصة "أطفال اليمن": "بجوار مسجد القرية توجد بركة مياه مفتوحة، وفي عصر أحد الأيام ، خرج أحمد كعادته متجهاً إلى المسجد لأداء صلاة العصر، كان هناك عدد من الأطفال يلعبون قرب البركة، وبحسب روايات شهود عيان، حاول علي التقاط كرة سقطت بالقرب من حافة البركة، فانزلقت قدميه وسقط ، دون أن يكون هناك أحد قريب لإنقاذه. كان الطقس بارداً جداً، ما زاد من سوء حالته وتسبب في تفاقم آثار الغرق عليه وتوفى على الفور".
ويتابع بمرارة: "المؤلم أكثر أن اليوم السابق للحادث، حصل أحمد على المرتبة الأولى في الصف الأول، وكان من المقرر أن يُقام له احتفال بسيط في المدرسة. خرج ليؤدي صلاة العصر ويعود سريعاً ليشارك أهله وأصدقاءه فرحته، لكن قُدّر له أن تكون فرحته في الجنة، بإذن الله".
تتكرر الحادثة ذاتها في مديرية مزهر في قرية المرفدي حيث توفى الطفل ايمن المكش ثمان سنوات بعد أن سقط في بركة الجامع وتوفى على الفور. وحادثة غرق أخرى شهدتها قرية الحقول بعزلة بكال بمديرية مزهر، حيث تعرضت شقيقتين للغرق في بركة مكشوفة بجانب منزلهما وبينما ذهبت الاختان لجلب الماء من البركة انزلقت إحداهن واوشكت على الغرق فارادت الأخت الثانية انقاذها فغرقت هي الأخرى وتوفيت معا.
أن الكثير من قرى اليمن تعتمد على مياه البرك والحواجز المائية التي يتم تخزينة من مياه الأمطار، التي تشهد حرمان في تنفيذ مشاريع المياه، فوجد القرويين هذه الحواجز والبرك طوق نجاة للحصول على المياه للاستخدامات الآدمية لاسيما مع وعورة طبيعة هذه المناطق وبعد مصادر المياه من عيون وآبار في القيعان والأودية مايجعل الاطفال كغيرهم معرض للغرق.
من ناحية أخرى، تقع مهمة جلب المياه بشكل يومي على عاتق النساء والأطفال في العديد من المناطق الريفية، ما يجعلهم أكثر عرضة لمخاطر الغرق، خصوصاً عند استخدام برك وسدود مكشوفة. وتُسجل حوادث متكررة سنوياً، غالباً ما يكون ضحاياها من الأطفال، في ظل غياب وسائل السلامة والبنية التحتية الآمنة.
مأساة مشابهة
لا تتوقف حوادث غرق الاطفال في ريمة، المعاناة ذاتها موجودة في أغلب مناطق لليمن، فقد تناولت وسائل إعلام محلية غرق ثلاث اطفال في ديسمبر من العام الماضي ،في بركة مياه الأمطار في منطقة شعب نبع في مديرية الخوخة شمال الحديدة وتم إنقاذ ثلاثة أطفال في ذات الحادثة.
حوادث غرق الاطفال تتكرر في محافظة المحويت حيث تناولت وسائل إعلام محلية وفاة ثلاث فتيات غرقا في بركة مياه الأمطار في قرية بيت الجبري بعزلة بني البدي في عزلة الرجم وهن بحسب هذه المصادر دلال رائد صالح حزام الجبري11 عاماً، ورموز سلطان أحمد حزام الجبري 8 سنوات، ورغد خالد أحمد السباك 9 سنوات.
حوادث مستمرة
في يوم الخميس الموافق 29 أغسطس 2025، كانت الطفلة آيات، ذات الأربعة أعوام، تلعب بجوار والدتها في منزلهما بمديرية مزهر، عزلة بكال بمحافظة ريمة. وبينما كانت الأم منشغلة بأعمال المنزل، تفاجأت باختفاء آيات من مكانها. بدأت تبحث عنها داخل المنزل وخارجه، وتسأل أطفال الأسرة عنها، لكن دون أي جدوى تُذكر.
يقول جدّها قاسم: "بينما كان الجميع يبحث عنها، بمن فيهم أطفال من أقاربها، لمحوا فستانها يطفو فوق سطح الماء. اقترب بعض الموجودين من الاهالي لمحاولة سحبه، ليتفاجأوا بأنها غارقة وقد فارقت الحياة. أخرجناها على الفور، وقمنا بإسعافها إلى المركز الصحي، لكن للأسف كانت قد توفيت".
في تعز ايضا
ففي ريف تعز وجدت الطفلة ندى احمد تطفوا في أحد حفر مياه الصرف الصحي بعد بحث الأهالي لمدة يومين متتالية بعدما وجدتها أحد نساء القرية كانت ترعي اغنامها في مكان قريب من الحادثة.
بحسب نساء من القرية فإن الطفلة ندى البالغة من العمر خمس سنوات كانت قد ذهبت إلى إحدى المدرجات الزراعية بحثا عن والدتها التي خرجت من أجل البحث عن اعلاف للحيوانات واختفت من صباح ذلك اليوم، وبعد أن حاولت الراعية تفاقد حفرة الصرف الصحي رأت ملابسها تطفو واستغاثت برجال من قريتها لإخراج الطفلة الغارقة منذ يومين واخبار أسرتها التي كانت لاتزال تبحث عنها.
رئيس منظمة نضال لحقوق الانسان في اليمن محمد الخضيري يقول إن توسع ظاهرة غرق الاطفال في اليمن سببها اولا الإهمال الأسري وعدم وجود سياج امان بالإضافة إلى عدم تعليم السباحة.
موضحا:" أن من أجل تفادي توسع ظاهرة غرق الاطفال تكمن في تعليم الاطفال السباحة ومراقبة تحركاتهم من قبل أسرهم وبناء برك مع مراعاة وسائل السلامة وتركيب وسائل امان في الآبار والحفر العميقة، وضرورة عمل حماية تمنع الوصول إليها مع عمل مضخات توصيل المياه إلى خزانات خارجية بدل الاغتراف".
غرق الاطفال مشكلة عالمية
بحسب منظمة الصحة العالمية فأن حوادث الغرق مشكلة صحية عامة عالمية تتسبب في وفاة ما يقارب 300 ألف شخص سنويًا. ويتأثر الأطفال والشباب بشكل غير متناسب بهذه الظاهرة، حيث يشكّل الأطفال دون سن الخامسة نحو ربع إجمالي الوفيات الناجمة عن الغرق.
وجاء في التقرير ذاته أن الغرق يعد السبب الرابع للوفاة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام و4 أعوام، والسبب الثالث للوفاة في الفئة العمرية من 5 إلى 14 عامًا. وتحدث نسبة 92% من هذه الوفيات في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، ما يعكس الحاجة الملحة لتكثيف الجهود الوقائية في هذه المناطق.
ريمة اشدها
أن محافظة ريمة تُعَد واحدة من أفقر المناطق، حيث عاش سكانها طوال العقود بدون الخدمات الأساسية، وتجاهلتها السلطات الحاكمة. وأن أهل ريمة يعتمدون على جهودهم الشخصية في توفير خدماتهم، خاصة في شق الطرق وإقامة مشاريع المياه.حسب الصحفي فايز الضبيبي
مشيرا في حديثه إلى أنه وبالرغم من وجود مشروع مياه تابع للدولة في مركز المحافظة، إلا أنه يعاني من توقف دائم بسبب قلة الدعم وتكلفة الديزل، حيث لايزال الكثيرون يعتمدون على نقل المياه بشكل يدوي.
ويرى أن من الضروري أن تتحمل الدولة مسؤولياتها في دعم المحافظة بمشاريع مياه مستدامة وتوفير شبكات مياه للمنازل، مما يحسن وصول المواطنين إلى مياه الآبار والبرك. كما ينبغي تحفيز التنمية المستدامة وتقديم الدعم اللازم لتحسين البنية التحتية وتعزيز السلامة في هذه المشاريع.
التقليدية في بناء البرك ( ريمة نموذج)
يقول فايز الضبيبي رئيس منصة ريمة21 :"نظرًا لاعتماد سكان المحافظة على الزراعة والرعي، يُعَدُّ الماء حيويًا للمحافظة وسكانها. تركز الجهود على حفر الآبار وإنشاء برك وحواجز مائية لتخزين مياه الصيف والخريف، وتكرار نقل هذه المياه من البرك والغيول والحواجز إلى المنازل عبر الاطفال والنساء وحميرهم".
ويضيف:" تلك البرك والحواجز غالبًا ما تكون واسعة ومكشوفة بسبب التضاريس الجبلية، ومُبنية بطرق تقليدية وتفتقر إلى وسائل السلامة، وتكون غالبًا بعيدة عن القرى في أماكن خالية من السكان، حيث تُعتبر مواقع تجميع للمياه بعيدة عن الأراضي الزراعية، حيث تقطع الأطفال والنساء مسافات طويلة للوصول إلى مصادر المياه ونقلها على رؤوسهن إلى منازلهن."
ويشير في حديثه أن عمليات الاغتراف من الآبار والبرك تتم بوسائل تقليدية دون وجود وسائل سلامة، حيث تشمل النزول إلى البئر أو البركة والاغتراف المباشر منها، مما يتسبب في مخاطر عالية، في حين تعاني العديد من الاطفال من عدم القدرة على السباحة، مما يزيد من صعوبة التحكم في حوادث الغرق، نظرًا لتحفظ المجتمع على سباحة النساء وعدم توفير فرص التعلم.
مؤكدا :"تؤدي تلك الظروف إلى سقوط العديد من النساء والأطفال سنويًا في الآبار والبرك وحواجز المياه في ريمة، مما يسفر عن وفاة الكثيرين منهم غرقًا، بسبب عمق وسعة المصادر المائية، وعدم وجود وسائل سلامة ."
يقول الضبيبي:"المشكلة قديمة ومنذ أن عرفت نفسي وحوادث غرق الأطفال والنساء في البرك في محافظة ريمة لا تتوقف، كما أن حكايات الاباء والأجداد عن هذه الأحداث كانت تؤرقنا دائما، ولكن مع وسائل التواصل الإجتماعي ونشر الناس لمثل هكذا حالة، ظهرت هذه المشكلة للسطح، وأنكشفت مخاطرها".
"واجب المجتمع يتمثل في حماية الأطفال من تلك المصائد عبر توفير وسائل السلامة في الآبار والبرك والحواجز التي يقومون ببنائها، وتعزيز الوعي حول أهمية تجنب المخاطر المائية وتعليم المجتمع بشكل عام حول تقنيات السلامة المائية.يقول الضبيبي".
ويضيف:"يتعين على المجتمع تشجيع بناء هذه المصادر بطرق آمنة وتوفير التدابير الوقائية، مثل تغطية البرك وتأمين الآبار. بالإضافة إلى ذلك، يجب النظر في إيجاد بدائل فعالة لنقل المياه، مثل تطوير شبكات مياه حديثة لتوصيل المياه إلى المنازل. هذا ليس فقط يسهم في تحسين سلامة الاطفال بل ويسهم أيضًا في توفير وصول مستدام وفعال للمياه في المجتمع".
محاولات مجتمعية لاحتواء المشكلة
كمية الوجع التي تلقاها راشد البكالي بعد فقدانه لوالدته وابنته غرقًا، كانت كفيلة بأن تغيّر نظرته تجاه الخطر الصامت في قريته. قرر راشد تحويل البركة التي ابتلعت أحبّته إلى مكان لتعليم فتيات وأطفال القرية السباحة، ليمنحهم فرصة النجاة، ويمنع تكرار مأساة عرف مرارتها عن قرب.
على خطى مبادرة راشد، بدأ العديد من الأهالي في محافظة ريمة اتخاذ خطوات مماثلة، حيث اضطروا إلى تعليم بناتهم وأبنائهم السباحة، في محاولة لتقليل حوادث الغرق المتكررة في البرك والحواجز المائية المنتشرة في المناطق الريفية، والتي غالبًا ما تفتقر لوسائل الأمان والرقابة.
في قرية القحفة بعزلة الحريبة بريف الصلو بمحافظة تعز، بادر المواطن مهيوب محمد بخطوة إنسانية لافتة، تمثلت في شراء مسبح متنقل على سطح منزله لتعليم أطفاله وأطفال القرية السباحة، بعد أن شهدت المنطقة حوادث غرق مؤلمة.
يقول مهيوب إنه قبل عامين قرر تنفيذ هذه المبادرة المجتمعية، فاشترى مسبحًا متنقلًا بسعة 3500 لتر وآخر بسعة 60 لتر، بتكلفة بلغت ألف ريال سعودي، بهدف توفير بديل آمن لتعليم السباحة، خاصة أن القرية تعتمد على الآبار في الحصول على المياه وتفتقر إلى وسائل السلامة العامة.
ويضيف: "كان أطفال القرية وشبابها يذهبون إلى وادي سخران للسباحة، وهو وادٍ تكثر فيه البرك التي تمتلئ بمياه الأمطار، وتشكل خطرًا حقيقيًا نظرًا لعمقها وبعدها عن الأنظار. لذلك فكرت بتوفير مسبح داخل القرية ليكون بديلاً آمناً، يحميهم من خطر الغرق ويعلمهم السباحة بشكل آمن".